أبو نصر الفارابي
66
الجمع بين رأيي الحكيمين
وقد صنّف ابن أبي اصيبعة ، في طبقاته ، النقلة طبقات : « فهذا جيد النقل كحنين وابنه إسحاق ، وقسطا بن لوقا ، والدمشقي ، وابن زرعة . وهذا متوسطه كابن ناعمة ، وثابت بن قرّة . وثالث لا يحسن العربية ولا اليونانية كابن البطريق » . ويذكر الدكتور خليل الجر ( في تاريخ الفلسفة العربية ج 2 ص 26 وما بعدها ) - وهو ممن شهد لهم بالكفاءة في بحث قيمة الترجمات إلى العربية من السريانية واليونانية - : « وطريقتهم ( النقلة ) في النقل أقرب ما تكون إلى الطريقة العلمية ، لأنهم كانوا يعيدون ترجمة الكتاب الواحد مرات عديدة ، ويصححون الترجمات القديمة على نصوص يونانية مختلفة ، ويقابلون بين الترجمات والمخطوطات الأصلية ذاكرين الفروق بينها » « 1 » . « ولما لم يفهم الناقل فيها قصد المؤلف فترجمه ترجمة حرفية جاءت في العربية مغلوطة أو غامضة وليس هذا الامر بغريب ، لان مترجمي أرسطو المعاصرين ، لم يتفقوا على فهم بعض نصوصه الغامضة ، مع أن الدراسات الارسططاليسية أصبحت اليوم عديدة والوسائل التي بين أيدينا لم تكن متوافرة لنقلة القرن الثالث الهجري » . ويذكر بعض الأمثلة على ذلك ، منها ما جاء على هامش « كتاب الخطابة » لأرسطو : « يجب ان تعلم اني كنت انسخ هذه النسخة عن نسخة عربية ، وما أجده فيها مما أشك فيه كنت ارجع فيه إلى نسخة سريانية صحيحة وانظر ما يجب ان يصلح واثبته مصلحا في هذه النسخة » . وجاء على هامش « كتاب المواضع الجدلية » : « في هذه المقالة مواضع يسيرة ترجمناها على ما أوجبه ظاهر لفظها ولم يصح لنا معناها . ونحن نراجع النظر فيها ، فما صح لنا معناه منها نبهنا عليه إن شاء اللّه » . وفي أغلب الأحيان كان النقلة ملمين بالفلسفة ، فلم يقتصروا على الترجمة ، بل كانوا يقدمون للكتب التي يترجمونها أو يشرحونها ، مما يدل على تضلعهم بالفلسفة . فمثلا ، قدم الحسن بن سوار لكتاب « المقولات » لأرسطو بقوله : اما غرض ارسطوطاليس في هذا الكتاب فهو الكلام في الالفاظ البسيطة التي في الوضع الأول الدالة على أجناس الأمور العالية من حيث هي دالة ، بتوسط الآثار التي في النفس منها وفي الأمور من حيث يستدل عليها باللفظ . فهذا هو غرضه في هذا الكتاب . فقولنا ان غرضه « الكلام في الالفاظ » ، للفصل بين هذا القول وبين من قال إن كلامه في الأمور . وقولنا « بسيطة » للفصل بينها وبين الالفاظ المركبة الدالة مثل
--> ( 1 ) راجع : Georr ( kh ) les categories d , aristote dans leurs versions syro - arabes ( pp 183 - 200 ) .